صديق الحسيني القنوجي البخاري

67

فتح البيان في مقاصد القرآن

عن أبي جعفر عبد اللّه بن المسور عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بنحوه ، وزاد فيه ثم قرأ أَ فَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ . فَوَيْلٌ لِلْقاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ قال الفراء والزجاج أي عن ذكر اللّه كما تقول اتخمت عن طعام أكلته ومن طعام أكلته والمعنى أنه غلظ قلبه وجفا عن قبول ذكر اللّه والقسوة جمود وصلابة تحصل في القلب ، يقال قسي القلب إذا صلب ، وقلب قاس أي صلب لا يرق ولا يلين ، وقيل المعنى من أجل ذكره الذي من حقه أن تنشرح له الصدور ، وتطمئن به القلوب ، والمعنى أنه إذا ذكر اللّه اشمأزوا ، والأول أولى ، ويؤيده قراءة من قرأ عن ذكر اللّه ، أي إذا ذكر اللّه عندهم أو آياته ازدادت قلوبهم قساوة ، كقوله : فَزادَتْهُمْ رِجْساً إِلَى رِجْسِهِمْ [ التوبة : 125 ] . وقيل إن النفس إذا كانت خبيثة الجوهر كدرة العنصر بعيدة عن قبول الحق فإن سماعها لذكر اللّه لا يزيدها إلا قسوة وكدورة كحر الشمس يلين الشمع ويعقد الملح ، فكذلك القرآن يلين قلوب المؤمنين عند سماعه ، ولا يزيد الكافرين إلا قسوة . قال مالك بن دينار ما ضرب عبد بعقوبة أعظم من قسوة القلب ، وما غضب اللّه تعالى على قوم إلا نزع منهم الرحمة ، وأخرج الترمذي ، وابن مردويه وابن شاهين في الترغيب في الذكر ، والبيهقي في الشعب ، عن ابن عمر ، قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم « لا تكثروا الكلام بغير ذكر اللّه فإن كثرة الكلام بغير ذكر اللّه قسوة للقلب ، وإن أبعد الناس من اللّه القلب القاسي » « 1 » . والإشارة بقوله : أُولئِكَ إلى القاسية قلوبهم فِي ضَلالٍ مُبِينٍ أي غواية ظاهرة واضحة ثم ذكر سبحانه بعض أوصاف كتابه العزيز فقال : اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ يعني القرآن الذي فيه مندوحة عن سائر الأحاديث ، وسماه حديثا لأن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم كان يحدث به قومه ، ويخبرهم بما ينزل عليه منه ، وفيه بيان أن أحسن القول المذكور سابقا هو القرآن ، وفي إيقاع الاسم الشريف مبتدأ ؛ وبناء نزل عليه تفخيم لشأن أحسن الحديث والوصف بهذا الوجهين . أحدهما من جهة اللفظ ، لأن القرآن من أفصح الكلام وأجزله وأبلغه ، وليس هو من جنس الشعر ، ولا من جنس الخطب والرسائل ، بل هو نوع يخالف الكل في أسلوبه ، والثاني من جهة المعنى لأنه كتاب منزه عن التناقض والاختلاف ، مشتمل على أخبار الماضين وقصص الأولين ، وعلى أخبار الغيوب الكثيرة ، وعلى الوعد والوعيد ، والجنة والنار وغير ذلك .

--> ( 1 ) أخرجه الترمذي في الزهد باب 62 .